عند الكيلومتر 480 من طريق سانتياغو، في قريةٍ صغيرة اسمها «أرثوا»، يجلس مساء السبت في نُزُلٍ للمسافرين خمسةٌ من الغرباء لا يعرفون بعضهم. أمامهم طبقُ معكرونة ساخن، زجاجة نبيذٍ صغيرة، وشموع. رجلٌ في الرابعة والستين من الإسكندرية، امرأة فرنسية في الخامسة والخمسين، كندية كيبيكية في الثالثة والخمسين، ألماني في السبعين، وأنا. نمشي منذ ثلاثة أسابيع. أقدامنا تؤلمنا. لا أحد يشكو. الحديث لا ينقطع.
هذا المشهد يتكرّر كلَّ ليلةٍ على هذا الطريق. طريق سانتياغو دي كومبوستيلا، الذي يُسمّى بالعربية «طريق القديس يعقوب»، هو أحد أشهر مسارات الحجّ في العالم، وهو أيضًا، للمفاجأة، واحدٌ من أفضل الأماكن لرجالٍ ونساءٍ فوق الخمسين بدؤوا الحياة من جديد. ليس لأنّه رومانسي، بل لأنّه ينفعك قبل أن تفكّر بالرومانسية.
لماذا هذا الطريق بالذات؟
أربعة أسباب تجعله مناسبًا جدًّا لفئتنا العمرية:
- الإيقاع البطيء. المشي عشرين كيلومترًا في اليوم ليس سريعًا كسياحةٍ ولا متعبًا كمغامرة. هو إيقاع جسدٍ يتحرّك ويفكّر في الوقت نفسه.
- بنيةٌ تحتيّة جاهزة. طوال الطريق، تجد «ألبيرغيز» (نُزلًا للمسافرين) بأسعارٍ رمزية، مطاعم بسيطة، علامات واضحة. لا تحتاج إلى خبرة تسلّقٍ ولا تخطيطٍ معقّد.
- صحبة متنوّعة. كلُّ عمرٍ، كلُّ جنسية، كلُّ خلفية. وكلّهم يمشون لسببٍ لا يُعلنونه.
- السلامة. الطريق أحد أكثر المسارات أمانًا في العالم. نساء وحيدات يمشينه كلّ عام دون مشكلة.
الخيارات الأربعة الأكثر ملاءمة لعمرنا
الطريق ليس مسارًا واحدًا، بل شبكة. من أكثر المسارات مناسبةً لفئتنا:
- Camino Francés (الطريق الفرنسي). 790 كيلومترًا. الأشهر والأكثر بنيةً تحتية. يبدأ من «سان جان بيي دو بور» في فرنسا وينتهي في سانتياغو. يمكن المشي به في 30 يومًا، أو تقسيمه على سنوات.
- Camino Portugués (الطريق البرتغالي). 260 كيلومترًا من بورتو. الأكثر اعتدالًا من حيث المناخ، والأقصر. مناسبٌ كمحاولةٍ أولى.
- Camino Inglés (الطريق الإنجليزي). 120 كيلومترًا. الأقصر رسميًّا. ممتاز لمن يُجرّب الطريق أوّل مرة في أسبوع.
- Camino Primitivo (الطريق البدائي). 320 كيلومترًا. الأجمل مناظر، لكنّه الأصعب. يُنصح به في المحاولة الثانية، لا الأولى.
التحضير الجسدي
هنا أكون صريحًا. لا تمشِ طريق سانتياغو دون تحضيرٍ مسبق. خمس وأربعون عامًا من المكاتب ثمّ عشرون كيلومترًا يوميًّا فجأة وصفةٌ لإصابةٍ خطيرة. ابدأ قبل رحلتك بأربعة أشهر:
- امشِ خمسة كيلومترات يوميًّا في الأسبوع الأول.
- زد كيلومترًا كلَّ أسبوع حتى تصل إلى خمسة عشر.
- في الشهر الأخير، امشِ مرّةً في الأسبوع مع حقيبةٍ فيها وزنٌ مشابه لحقيبتك المقصودة.
- اهتمّ بالأحذية. زوجان مختلفان من أحذية المشي، لا زوج واحد. والأحذية يجب أن تكون قد مُشيَت مئة كيلومتر قبل الرحلة.
- افحص ركبتيكَ عند طبيبٍ رياضي قبل السفر، وفي عمر ستّين أو أكثر، اطلب نصيحةً خاصّة.
المعدّات الأساسية
حقيبةٌ واحدة، وزنها أقلّ من 7 كيلوغرامات. لا أكثر. الحقيبة الثقيلة ستدمّر ظهرك وتُدخلكَ الإحباط في الأسبوع الأول.
قائمة مختصرة:
- قميصان، بنطلونا مشي، طبقة حرارية، معطفٌ خفيف مقاوم للماء.
- زوج أحذية مشي (تُلبَس في الطريق)، زوج صندل خفيف (لاستراحة المساء).
- ثلاثة أزواج من الجوارب المخصّصة للمشي (الجوارب العاديّة سبب رئيسي للبثور).
- كيسُ نوم خفيف، زجاجة ماء، قبّعة.
- أدوات طبيّة أساسيّة: بلاستر للبثور، مسكّن ألم، كريم واقٍ من الشمس، ميزان حرارة صغير.
- هاتف، شاحن، بطاقة هوية، تذكرة عودة مرنة.
الصحبة التي تنتظركَ هناك
أكثر ما فاجأني في طريق سانتياغو هو سرعة تكوين الصداقات. في ليلةٍ واحدة في نُزُل، ستتعرّف على ستّة أشخاصٍ على الأقلّ. في اليوم الثالث، سترى الوجوه نفسها في قريةٍ جديدة. في اليوم العاشر، يكون هناك «عائلة طريق» تتكوّن عضويًّا.
هذه الصحبة لها خاصّية مميّزة: الجميع يعرف أنّها صحبةُ طريق. لا أحد يضغط على أحد. تستطيع أن تمشي يومًا مع مجموعة، ويومًا وحدكَ، ويومًا مع زوجٍ كنديّ. لا عتاب، لا التزام. هذه الحريّة الاجتماعية تصنع اتّصالاتٍ صادقة لأنّها غير مشروطة.
هل تنشأ علاقات رومانسيّة؟ نعم، أحيانًا. قصص نعرفها عن امرأةٍ من عمّان، مطلّقة في الثالثة والخمسين، التقت طبيبًا أستراليًّا أرملًا في الطريق، ثمّ تواعدا ثلاث سنوات بعد الرحلة، ثمّ تزوّجا. القصص موجودة. لكنّ الجمال الحقيقي للطريق أنّكَ لا تذهب له بحثًا عنها، فتأتي إن أتت دون ضغطٍ عليكَ.
الساعات الأربع الأولى من كلّ يوم
ستكتشف شيئًا لم تكن تعرفه عن نفسك. في الساعات الأربع الأولى من كلّ يوم مشي، ستكون أفكاركَ أوضح ممّا كانت منذ عقد. لا اجتماعات، لا هاتف، لا تلفاز، لا شريك يطلب شيئًا. أنتَ، الطريق، والأفكار.
هذه الساعات هي جوهر الطريق. كثيرون يعودون ويقولون: «فكّرتُ في زواجي الأوّل للمرّة الأولى بوضوحٍ هناك». «سامحتُ نفسي عن قراراتٍ اتّخذتُها في الخمسين». «قرّرتُ أن أتقاعد مبكرًا بسنة». هذه ليست أفكارًا رومانسيّة. هي أفكارُ حياة.
ماذا تحمل معكَ إلى البيت؟
عاد أحد الأصدقاء من الطريق وأخبرني: «حملتُ ثلاثة أشياء: قدمَين مؤلمتَين، سبعة أصدقاء من خمس دول، وهدوءًا لم أعرفه في حياتي». هذه الأشياء الثلاثة تكفي لتبرير الرحلة.
الأهمّ، عاد بعد أسبوعَين ووجد أنّه لا يستعجل كما كان. «الطريق أعاد برمجة إيقاعي. حتى حين أمشي في الإسكندرية الآن، أمشي بسرعةٍ مختلفة».
خطوة صغيرة لهذا الشهر
لا تحجز تذكرةً اليوم. افعل شيئًا أصغر: امشِ عشرة كيلومترات في إحدى عطل نهاية الأسبوع القادمة، وحدكَ، مع كتاب في الحقيبة، وبدون هاتف في اليد. راقب كيف يستجيب جسدكَ وذهنكَ. إن شعرتَ بشيءٍ يفتح في داخلك، ابدأ التخطيط لرحلةٍ قصيرة (الطريق الإنجليزي، أسبوع واحد) بعد ستّة أشهر.
طريق سانتياغو ليس حلًّا لكلّ مشاكلنا. لكنّه، لكثيرين فوق الخمسين بدأوا من جديد، أوّل خطوةٍ حقيقيّة في طريقٍ داخلي طويل. والمشي، كما يقول الطريق نفسه، يُعلّم ما لا يُعلّمه الجلوس. وهذا، في عمرنا، ثمنٌ يستحقّ الدفع.