تُحبّ سميرة الكتب أكثر من النقاشات. هذا ما تقوله حين يسألها أحدٌ لماذا وافقت على الحديث معنا. تعيش في المعادي، في شقةٍ مشمسةٍ فقدت صاحبها قبل أربع سنوات. الشقة لم تتغيّر كثيرًا. الكتب فقط كبُرت، صعدت على الطاولات الصغيرة، ثم على الأرض قرب الأريكة.
«لم أكن أبحث عن رجل»، تقول بهدوء. «كنتُ أبحث عن مزاجٍ صافٍ لقراءة كتابٍ جديد دون أن تهاتفني ابنتي كلَّ ساعة لتسأل إن كنتُ على ما يرام». هذه الجملة تفسّر لماذا ذهبت إلى معرض القاهرة الدولي للكتاب، في يناير 2025، وحدها، لأول مرّة منذ أن ترمّلت.
اليوم الأول: لم تحدّث أحدًا
تقول إنها في ذلك اليوم لم تتبادل كلمةً مع أيّ زائر. مشت بين الأجنحة، أمسكت أغلفة، شمّت رائحة الورق، اشترت ثلاثة كتب. ابتسمت لبائعٍ شابّ أعطاها خصمًا بلا طلب. هذا كلّ شيء. عادت إلى المعادي مساءً وشعرت بتعبٍ جميل لم تشعر به منذ زمن.
«كان اليوم الأول اختبارًا لي، لا اختبارًا للعالم. أردت أن أعرف إن كنتُ أستطيع أن أقف بين الغرباء وحدي دون أن أشعر أنني نُقصت شيئًا. اكتشفتُ أنّ الإجابة نعم».
اليوم الثالث: جناحٌ صغير
في زيارتها الثالثة، دخلت إلى جناح دار نشرٍ صغيرة تبيع كتبًا في الفلسفة والتاريخ الاجتماعي. كانت تبحث عن كتابٍ لكاتبٍ لبنانيٍّ راحل تحبُّه. سألت الشابة في الجناح. قالت لها الشابة: «عليكِ بالسيّد منير، ذاك الواقف هناك، هو صاحب الدار، ويعرف كل كتبه بالعنوان والصفحة». ضحكت سميرة قليلًا وتقدّمت.
منير، أربعٌ وستّون، مطلّقٌ منذ أحد عشر عامًا، لا يعمل صاحب دارٍ بل زائرٌ قديم يساعد صديقته. اعتذر حين سألته، وقال: «لستُ أنا. لكنّي قرأت الكتاب الذي تسألين عنه ثلاث مرّات، إن سمحت». جلسا على كرسيّين خشبيين في زاوية الجناح، تحدّثا عن الكتاب ربع ساعة، ثم عن كتابٍ ثانٍ، ثم عن الكاتب نفسه، ثم عن معرض فرانكفورت الذي زاره منير سنة 2019.
«لم يكن غزلًا»، تقول سميرة. «كان حديثًا. مجرّد حديث بين قارئين. لكنّي بعد خمس عشرة دقيقة لاحظتُ أنني لم أنظر إلى ساعتي ولا إلى هاتفي. هذا شيءٌ لم يحدث لي منذ أربع سنوات».
البطاقة على ظهر الإيصال
حين استعدّت للمغادرة، اشترت الكتاب. الشابّة في الكاشير كتبت لها إيصالًا وسلّمته إيّاها. منير كان قد اختفى لحظة لإحضار كوبَي قهوة، لم يعد في الوقت المناسب. وقفت سميرة لحظةً، ثم فعلت شيئًا لم تتوقعه من نفسها: قلبت الإيصال، وكتبت بقلم حبرها: «شكرًا على النصف ساعة. سميرة». أضافت رقمًا ثابتًا، لا جوّالًا، لأن الجوّال كان يبدو لها في تلك اللحظة طائشًا. تركت الإيصال عند الشابّة وطلبت منها بأدب أن تسلّمه للسيد منير.
«ثم مشيتُ بسرعة، كأنني سارقة»، تضحك وهي تتذكّر.
المكالمة الثانية، لا الأولى
اتّصل منير في المساء التالي. تحدّثا عشر دقائق، رسمية تقريبًا. «جيّد أنه لم يتّصل في الليلة نفسها»، تقول. «كنتُ سأفسّر ذلك على أنه استعجال». في المكالمة الثانية، بعد ثلاثة أيام، دعاها إلى فنجان قهوة في قهوةٍ قديمة في وسط البلد، ليس بعيدًا عن مقهى ريش، لكنّه ليس ريش. «قال لي باللفظ: أفضّل مقهى أهدأ، لا أحبُّ الحشود عند أول لقاء. شعرتُ أنه فاهم».
ما اختلفت فيه عن زواجها الأول
حين تسأل سميرة ما الفرق الذي لاحظته بينها وبين الفتاة التي كانت في العشرين، تُجيب بهدوء:
- لم أحاول أن أعجبه. جئتُ إلى القهوة مرتاحة، بثياب أُحبّها، دون ماكياج ثقيل. كنتُ أقول لنفسي: إن لم يُعجبه ما هو موجود، فلا قدرة عندي على صنع ما ليس موجودًا.
- ذكرتُ زوجي الراحل في الدقيقة الخامسة عشرة. لا قبلها. لم يكن اختبارًا، بل كان ضرورةً لأعرف إن كان يعرف أن يُصغي إلى جملةٍ صعبة. أصغى.
- لم أعد إلى البيت مسرعةً لأحكي لصديقتي. الشابّات يفعلن. أنا احتفظتُ بالمساء لنفسي. أردتُ أن أعرف ماذا تقول لي أنا قبل أن تقول لي رنا.
بعد عام
اليوم، بعد سنةٍ كاملة، يلتقي منير وسميرة مرّةً أو مرّتين في الأسبوع. لا يعيشان معًا، ولا يخطّطان لذلك قريبًا. يذهبان إلى الأوبرا أحيانًا، إلى ضيعةٍ في الفيّوم أحيانًا، يقرآن في بيتَيْهما أحيانًا ثم يتبادلان رسالةً من سطرين. ابنتها قابلت منير ثلاث مرّات، والثالثة ضحكت معه على مزحةٍ عن الكتب. «لم أطلب منها أن تحبّه. طلبتُ منها فقط ألا تصنع جدارًا. فعلت».
ما تقوله سميرة لمن تشبهها
«لا تذهبي إلى المعرض بحثًا عن رجل. اذهبي بحثًا عن كتاب. وحين تكونين مشغولةً بالكتاب حقيقةً، ستظهر الحياةُ من الزاوية التي لا تنظرين إليها. الحياة لا تحبّ النظرات المباشرة. تخجل. تظهر حين تكفّين عن مراقبتها».
ثمّ تُضيف، بابتسامةٍ هي نصف وجهها الحقيقي: «وإن لم تظهر، فقد ربحتِ كتابًا. وهذا أيضًا ربحٌ كبير».