في ورشة خزفٍ صغيرة في حيّ الأشرفية ببيروت، كلَّ ثلاثاء ظهرًا، يجلس حول طاولةٍ خشبية ستّة أشخاص. أصغرهم امرأةٌ في الرابعة والأربعين، وأكبرهم رجلٌ في السادسة والسبعين. أحدهم مهندسٌ متقاعد، أخرى طبيبة أسنان، الثالث موظّف بنك، الرابعة معلّمة فرنسية متقاعدة. لا أحد يعرف كثيرًا عن الآخر. الحديث نادر. الأيدي تعمل. الطين يدور. الوقت يمرّ ببطءٍ جميل.
سأسألكم سؤالًا مباشرًا: كم مرّةً في حياتكم جلستم مع شخصٍ غريب تمامًا ساعتَين في صمتٍ لطيف؟ هذا النوع من الصمت، الذي لا يحمل توتّرًا، يحدث تقريبًا فقط في ورش الهوايات. وهو، في رأيي، أفضل بيئةٍ للتعارف بعد الخمسين. أفضل من التطبيق، أفضل من العشاء الأول، أفضل من الدعوات العائلية.
لماذا الهواية مكان تعارف متفوّق؟
أربعة أسباب تجعل ورشة الهواية بيئةً ذهبيّة:
- لا ضغط اجتماعي. لستَ هناك لتجد شخصًا. أنتَ هناك لتتعلّم الخزف، أو الإبحار، أو العود. إن تعرّفتَ على شخصٍ، هو ربح إضافي. وإن لم تتعرّف، ربحتَ مهارة. لا خسارة ممكنة.
- الطبيعة تنكشف في النشاط. الشخص الذي يغضب حين لا تنجح قطعته الفخارية، أو يعامل بقسوة من يتعلّم بجانبه، يكشف شخصيّته أسرع من عشرة عشاءات.
- التكرار الأسبوعي. الورشة تلتقي كلَّ أسبوع عادة. التعارف التدريجي البطيء أعمق من كلِّ لقاء سريع.
- فكرة مشتركة جاهزة. لستَ مضطرًّا لاختراع محادثة. الطين أمامكما. العود في يدكما. الموضوع المشترك جاهز.
أربع هوايات تناسب هذه الفئة العمرية
الخزف
من أجمل الهوايات لمن يعيش عقدةً من الضغط الفكري. العمل اليدوي يُطفئ الرأس. الطين يُعلِّم الصبر، لأنّه يرفض السرعة. ورش الخزف موجودة في كلّ العواصم العربية تقريبًا: حيّ الحمرا في بيروت، القصبة في تونس، الزمالك في القاهرة، عمّان الشرقية، حيّ الورود في الرياض. معظم الورش تقبل مبتدئين في أيّ عمر، والتكلفة عادةً معتدلة.
ميزةٌ خاصّة: الخزف يجذب بشكلٍ طبيعي أشخاصًا يحبّون البطء. وهذا بالضبط ما تحتاجه علاقةٌ في الخمسين.
الإبحار
من يعيش قرب البحر (بيروت، الإسكندرية، تونس، مسقط، دبي)، يمكنه الانخراط في نادي إبحارٍ صغير. الإبحار يخلق صحبةً مختلفة، لأنّه يتطلّب تعاونًا. لا يمكن الإبحار وحدكَ عادةً على قاربٍ متوسط. الاعتماد المتبادل في العمل يُنشئ روابط سريعة.
قصّة من الإسكندرية: سامي، أرمل في الخامسة والستين، انضمّ إلى نادي يخوت رياضي صغير قرب محطّة الرمل. بعد سنة، كان لديه صديقان جديدان وامرأة يلتقيها كلَّ خميس لعشاء. «لم أبحث عن شيء. ذهبتُ لأتعلّم قراءة الرياح. الريح نفسها قادتني».
الرقص الشرقي (للنساء والرجال)
نعم، الرجال. ورش الرقص الشرقي التي تقبل الجنسين موجودة في إسطنبول (نيشانطاشي)، بيروت (الحمرا)، القاهرة. الرقص في الخمسين، عكس ما قد يُتخيَّل، حركةٌ علاجيّة. يعيد الاتصال بالجسد الذي أُهمل بعد سنواتٍ من العمل المكتبي.
قصّة من إسطنبول: هناء، تسعٌ وخمسون، تركية سورية، بدأت بحصص رقصٍ شرقي في نيشانطاشي بعد طلاقها. «لم أذهب لأتعرّف على أحد. ذهبتُ لأستعيد جسدي. لكنّ المرأة التي جلستْ إلى جانبي أسبوعًا بعد أسبوعٍ أصبحت أقرب صديقاتي، وأخوها التقيتُه في حفل عيد ميلادها بعد عام. نحن معًا منذ ثمانية أشهر».
العود والموسيقى التقليدية
مدارس العود الصغيرة في دمشق المغتربين (اسطنبول، برلين)، القاهرة، حلبة، بيروت، تقبل مبتدئين في كلّ عمر. الموسيقى تجمع بين الانضباط الذهني والتعبير العاطفي، وهذا مزيجٌ نادر في الأنشطة.
ميزةٌ إضافيّة: الحفلات الصغيرة في نهاية الفصل تخلق مناسباتٍ اجتماعية طبيعيّة، حيث يلتقي التلاميذ وعائلاتهم، ويبدأ الحديث من الموسيقى ويتوسّع.
قواعد لا تُنكسر في ورش الهوايات
إن كنتَ ستنضمّ إلى ورشةٍ بنيّة التعارف، انتبه:
- لا تدخل بنيّة صريحة للاصطياد. الطبائع تشعر بالنيّة. الشخص الذي يحوّل ورشة الخزف إلى صالون مواعدة يُنفَر منه بعد أسبوعين.
- انتمِ إلى الورشة أولًا. ستّة أشهرٍ من الانتماء الصادق أحسن من محاولة فوريّة.
- لا تسأل أسئلةً شخصيّة في الأسابيع الأولى. «هل أنتِ متزوجة؟» في الدرس الثاني إهانة. «كيف تشعرين مع هذا الطين الجديد؟» مناسب.
- احترم اختيار الآخرين عدم الكلام. بعض الناس في الورشة جاء ليصمت. احترم صمته. هذا الاحترام نفسه أحيانًا يكسر الصمت لاحقًا.
- لا تطلب رقم هاتف شخصٍ في الفصل نفسه. انتظر مناسبةً اجتماعية خارج الفصل، أو اطلب بعد ستّة دروسٍ على الأقلّ.
الهواية التي لا تُناسب التعارف
للإنصاف، بعض الهوايات لا تصلح لهذا الهدف: التصوير الفوتوغرافي الفردي، الكتابة، الرسم المعزول. هذه هواياتٌ فرديّة بطبعها، والناس يمارسونها وحدهم. أمّا الخزف والإبحار والرقص والعود، فبطبعها جماعيّة.
اختبار: هل أنتَ جاهز للخروج من البيت؟
إن كنتَ لا تزال تؤجّل الاشتراك في ورشة بحجّة الوقت أو المال أو الخجل، اسأل نفسك: متى كانت آخر مرّة جلستَ مع أشخاصٍ لا تعرفهم ساعتَين دون هاتف؟ إن كان الجواب «لا أذكر»، فهذه الورشة ضرورةٌ لا ترفٌ. الجسد يحتاج إلى صحبةٍ لا تعرفها، كما يحتاج إلى صحبةٍ يعرفها.
خطوة صغيرة لهذا الشهر
ابحث في جوجل عن «ورشة خزف» أو «درس عود» أو «نادي إبحار» في مدينتك. سجّل في حصّةٍ تجريبية واحدة، قبل نهاية الشهر. حصّة واحدة فقط. إن لم تُعجبك، لم تخسر شيئًا. إن أعجبتكَ، ستنظر بعد سنةٍ إلى نفسكَ وتقول: «لم أعرف أنّ ذاك المساء فتح بابًا لي لم يكن مفتوحًا».
الحبّ في هذه المرحلة، في رأيي، لا يُولد على الشاشة. يُولد في غرفةٍ فيها طين، وأيدٍ تعمل، ورائحةُ قهوةٍ في الاستراحة. هذا ليس حنينًا. هذه بيولوجيا بسيطة للقلب الناضج.