هل سألتَ نفسك مرّةً لماذا يفترض الناس أن الحبَّ الحقيقي يجب أن ينتهي بسقفٍ واحد؟ في الخامسة والعشرين نعم، ربّما. في الخامسة والستّين، السؤال يتغيّر. هنا تدخل عبارةٌ قد تكون جديدة عليك: LAT، أي «معًا ولكن منفصلَين»، Living Apart Together. ترتيبٌ يختاره أزواجٌ متحابّون، كلٌّ في بيته، دون أن يلغي ذلك الالتزام ولا العِشْرة.
في الغرب يُدرَس هذا النمط منذ عقدين، وفي العالم العربي بدأ يظهر بصمتٍ بين الستينيّين في بيروت والقاهرة وعمّان. يقول رجلٌ في الدوحة: «ابنتاي يعتقدان أن المسألة كسل. هما مخطئتان. المسألة احترام».
لماذا يختاره الناضجون
في الستينيات تكون قد بنيتَ عاداتٍ كثيرة. القهوة في السابعة صباحًا بالضبط، الراديو عند الفجر، الصحيفة الورقية، الكتاب على الطاولة اليسرى من السرير، الضوء الأصفر الخافت عند النوم. إدخال شخصٍ آخرَ بكامل عاداته المختلفة إلى هذا البيت قد يكون أحيانًا إضافةً، وأحيانًا كسرًا لما استغرق بناؤه ثلاثين سنة.
ترتيب LAT يحلُّ هذه المعضلة بذكاء. يقول كلُّ واحدٍ للآخر: «أحبّكَ، ولا أريدكَ أن تتغيّر. أحبُّ بيتي، ولا أريد أن أخسره. فلنلتقِ كثيرًا، في بيتك يومًا وفي بيتي يومًا، ولنذهب إلى عطلةٍ معًا كلَّ شهرين، ولنحتفظ بصباحاتنا».
من يناسبه هذا الترتيب؟
- الأرامل الذين عاشوا زواجًا طويلًا جميلًا. لا يريدون «استبدال» الشريك الراحل في البيت نفسه. يريدون حياةً جديدة، لكن في مكانٍ جديد.
- المطلّقون الذين أعادوا بناء مساحتهم بصعوبة. الشقّة الصغيرة في الأشرفية التي استأجرها رجلٌ بعد الطلاق ليست غرفةً عابرة. هي حريّته المُستعادة. لن يُغلقها بسهولة.
- الأزواج الذين عندهم أبناء بالغون حسّاسون. الابنة التي عادت لتعيش مع الأم بعد وفاة الأب ليست مستعدّةً لمشاركة البيت مع رجلٍ جديد. الترتيب يحميها ويحمي الأم.
- أصحاب الأعمال المستقلّة الذين يعملون من البيت. مكتبٌ مشترك في غرفة الجلوس وصوت تلفازٍ في الثالثة بعد الظهر قد يُنهي علاقةً جميلة خلال شهر.
ما لا يعنيه LAT
لا يعني علاقةً فاترة. لا يعني أنّ أحدكما يُجهّز باب الخروج. لا يعني نصف التزام. الأزواج الأكثر نجاحًا في هذا الترتيب هم الأكثر وضوحًا فيه. يعرفان أنهما شريكان، يعرّف كلٌّ منهما الآخر بأسرته، يسافران معًا، يحملان مفاتيح البيتين، لكنّ كلَّ واحدٍ يحتفظ بصباحاته.
الأسئلة الصعبة التي يجب الإجابة عنها مبكرًا
قبل أن تدخلا هذا الترتيب، اجلسا مساءً في مكانٍ هادئ، ليس في بيت أحدكما، ربّما في مقهى في نيشانطاشي أو في زاوية مطعمٍ في الزمالك، واطرحا هذه الأسئلة بصراحة:
- كم ليلةً في الأسبوع سنقضيها معًا؟ ثلاث، أربع، خمس؟ الغموض في هذا الرقم سبب أول سوء التفاهم.
- في بيت من نقضي العطلات الطويلة؟ عيد الفطر، عيد الميلاد لمن يحتفل، الصيف الطويل. نتناوب؟ نسافر دائمًا بدلًا من البيت؟
- من يأتي إلى بيت من في حالة مرض ليلي بسيط؟ هذا السؤال يبدو سخيفًا. ليس كذلك. الأمانة فيه تحمي ليالي كثيرة.
- كيف نتعامل مع الأبناء البالغين؟ هل تدخل ابنتي إلى بيتك دون إذنٍ منك؟ هل تدخل إلى بيتي دون إذني؟
- ماذا لو مرض أحدنا مرضًا طويلًا؟ السؤال الأثقل. لا يعني أن نُجيب عنه تفصيلًا اليوم. يعني أن نعترف أنه موجود.
ما يقوله الأبناء البالغون عادةً
«لماذا لا تتزوجان؟ لماذا لا تعيشان معًا؟ الناس ستتكلّم». هذه الجُمَل ستسمعها. أجِبْ عنها بجملةٍ مفهومة: «لأننا تعلّمنا من زواجنا الأوّل ماذا يحتاج الحبّ لينمو. ويحتاج أحيانًا إلى مسافة». الأبناء الناضجون، بعد أسبوعين، يهدأون. غير الناضجين يُصدِرون حكمًا ثم يعودون لاحقًا.
الحميمية في هذا الترتيب
مفاجأةٌ لكثيرين: الأزواج في ترتيب LAT كثيرًا ما يصفون حياتهم الحميمة بأنها أجمل ممّا كانت في زواجٍ مشترك. السبب ليس سحرًا. السبب أن غياب الرتابة اليومية يُبقي الشوق حاضرًا. حين يلتقيان ليلة الجمعة في بيتها، تكون قد قضت النهار في أمورها، وهو في أموره، ويأتيان إلى المساء بطاقةٍ مختلفة عن طاقة الزوجين اللذين رأى أحدهما الآخر خمس عشرة ساعة متواصلة.
متى لا يصلح LAT؟
حين يكون أحدكما يختبئ. إذا كان الترتيب وسيلةً لإخفاء العلاقة عن أبناءٍ لن يُخبَروا أبدًا، فهذا ليس LAT، بل هروب. وحين يُصبح المرض الطويل واقعًا، قد يحتاج الترتيب إلى تعديل. المرونة جزءٌ من العقد.
خطوة صغيرة لهذا الشهر
إن كنتَ تفكّر في هذا الترتيب مع شريكٍ جديد، لا تُعلن شيئًا. جرّب: قرّرا معًا أن تقضيا عشرة أيّام منفصلين بعد عطلةٍ طويلة معًا. راقبا كيف تشعران. إن شعرتما بالاشتياق الصحّي، لا بالقطيعة، فأنتما جاهزان لمحادثةٍ جدّية. إن شعر أحدكما بالانفصال الحقيقي، فالترتيب ليس لكما.
الحبّ، بعد الستّين، ليس قصّةً واحدة. هو عدّة قصص، لكلٍّ منها شكلها. LAT إحدى الأشكال الصادقة، لمن يعرفون أن البيت لا يُقاس بعدد الأمتار، بل بعدد ساعات الصفاء التي يحميها.